السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
381
مفاتيح الأصول
ولأن القوة والضعف يتفاوت باعتبار العدالة وقوتها وضعفها وباعتبار القرائن والأحوال والوقائع فجاز أن يكون خبر المجهول يفيد ظنا قويا في واقعة وخبر العدل يفيد ظنا ضعيفا في غيرها فلا يبقى لوصف الجهالة أثر انتهى وفيه أن إيراده يختص بتقريره الذي أتى به في التهذيب والمنية أيضا ولا يرد على تقريرنا كما لا يخفى وقد يقرب منه ما في شرح المختصر فقال لنا الأدلة نحو لا تقف ما ليس لك به علم إن تتبعون إلا الظن دلت على المنع من اتباع الظن في المعلوم عدالته وفسقه والمجهول فخولف في المعلوم عدالته بدليل وهو الإجماع فيبقى فيما عداه معمولا به فيمنع اتباع الظن ومنه صورة النزاع وهو المجهول ومنها ما تمسّك به في التهذيب والمنية من إجماع الصّحابة على ردّ خبر المجهول قال في الثاني لأن عليا عليه السلام ردّ خبر الأشجعي في المفوضة وكان يحلف الرواة ورد عمر خبر فاطمة بنت قيس وقال كيف يقبل قول امرأة لا تدري أصدقت أم كذبت ورد عمر أيضا خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان وهو قوله سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن له ولينصرف حتى رواه معه أبو سعيد الخدري انتهى وأورد عليه في النهاية بمنع من الإجماع قال ورد علي عليه السلام خبر الأشجعي لعدم ظهور صدقه ولهذا وصفه بكونه بوّالا على عقبيه أي غير متحرز في أمور دينه وردّ عمر خبر فاطمة لعدم ظهور صدقها ولهذا قال لا ندري أصدقت أم كذبت انتهى وقد صرح بما ذكره في الإحكام أيضا ومنها ما ذكره في النهاية فقال لنا الدليل ينفي جواز العمل إلا إذا قطعنا بأن الراوي ليس بفاسق ترك العمل به فيما إذا غلب على ظننا أنه ليس بفاسق بكثرة الاختبار فيبقى ما عداه على الأصل بيان الثاني أن عدم الفسق شرط في جواز الرواية فالعلم به شرط لأن جهل الشرط يقتضي جهل المشروط وبيان الفارق أن العدالة من الأمور الباطنة لا يمكن الاطلاع عليها حقيقة وإنما الممكن الاستدلال بالأفعال الظاهرة وهو وإن لم يفد العلم لكنه يفيد الظن ثم إن الظن الحاصل بعد طول الاختبار أقوى من الظن الحاصل قبله ولا يلزم من مخالفة الدليل للمعارض القوي مخالفته عند الضعيف ثم اعترض على هذا بما اعترض به على الحجة الأولى ومنها ما ذكره في النّهاية أيضا فقال لنا أنه لما دل الإجماع على أن الصبا والرق والكفر والحد في القذف موانع من الشهادة اعتبر في قبول الشهادة العلم بعدمها ظاهرا فكذا العدالة بجامع الاحتراز عن احتمال المفسدة ثم أورد عليه فقال إن الشهادة أضيق ولهذا اعتبر فيها العدد والحرية والبصر وغير ذلك بخلاف الرّواية فلا يجوز الحمل عليها انتهى وأشار إلى ما ذكره من الإيراد في الإحكام أيضا ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال لنا أنه مجهول الحال فلم يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال مفسدة الكذب كالشهادة فإن منعوا شهادة المال فقد سلموا شهادة العقوبات ثم المجهول مردود في العقوبات وطريق الثقة في الرواية والشهادة واحد ثم أورد عليه بأن احتمال الصدق مع ظهور الإسلام والسلامة عن الفسق أظهر من احتمال الكذب فيكون القبول أولى بخلاف الشهادة لوجوب زيادة الاحتياط فيها وصرح بما ذكره من الإيراد في الإحكام أيضا ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال لنا أنه أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله وعلى أن بلوغ مرتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول الفتوى فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار فلا يقبل إخباره دفعا للمفسدة اللازمة من فوات الشرط كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه ثم أورد عليه فقال فيه نظر لأن الشرط في العدالة تعين ظهور الإسلام والسّلامة عن الفسق ظاهرا والقياس ضعيف لأن بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة ولقد كانت العدالة أبلغ وقوعا من رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية انتهى وصرّح بما ذكره من الإيراد في الإحكام أيضا وفيها ما ذكره في النهاية أيضا فقال وهنا وجوه أخر الأول الأصل عدم قبوله إلا بدليل ولا دليل عليه الثاني شهادة الفرع لا تسمع ما لم يعين الفرع شاهد الأصل ولو كان قول المجهول مقبولا لم يجب تعيينه الثالث ظهر من حاله عليه السلام طلب العدالة والصدق والفقه فيمن كان ينفذه إلى الأعمال وأداء الرسالة انتهى وأشير إلى الوجه الأول في التعليقة الجمالية فقال ويظهر من بعض المتأخرين الميل إلى العمل بخبر مجهول الحال ولا يخفى ضعفه إذ العمل لا بد له من دليل ولا دليل على جواز العمل بخبر مجهول الحال يصلح للاعتماد إذ شيء من الأدلة المذكورة لقبول خبر الواحد لا يجري فيه إذ الدليل الذي يصلح للتعويل عليه في هذا الباب ليس إلا الإجماع وعمل السّلف وما ذكروه من انسداد باب العلم وأنه لا محيد عن العمل بالظن إلى آخر ما ذكروه فيه وظاهر أنه لا إجماع على العمل بخبر المجهول وأنه لا يفيد ظنا يصلح للاعتماد على أن الآية الكريمة تدل على وجوب التبين عند مجيء الفاسق وظاهره وجوبه عند مجيء فاسق في نفس الأمر لا من علم أو ظن فسقه إذ العلم والظن غير داخل في مفهوم الألفاظ وظن ذلك أيضا بناء على كفاية الظن في أمثاله وإذا لم يكن شيء من العلم أو الظن في مجهول الحال فيجب التبين في خبره وعدم العمل بمجرّده وفيه تأمّل لأن عدم دخول العلم أو الظن في مفهوم الألفاظ ولكن الحكم بوجوب المشروط في كلّ ما احتمل بتحقق الشرط فيه حذرا من تحققه فيه غير الإحكام بل الظاهر أنه لا يمكن الحكم بالوجوب إلا إذا علم تحقق الشرط فيه أو ظن ذلك أيضا بناء على القول بكفاية الظن في أمثاله وأما إذا لم يحصل العلم بتحقق الشرط فيه فلا يمكن الحكم بتحقق المشروط فيه بمجرد احتمال تحقق الشرط فيه لأصالة البراءة ما لم يحصل العلم أو الظن بوجود الشرط نعم الإتيان بوجود المشروط فيه يكون أحوط إذا لم يعارضه شيء